اراء

قواميس لا تحتوينا

 

في ظل تجاهل المجتمع الدولي المتواصل للمجازر التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي العنصري في غزة، يظل سكان القطاع المحاصر يتساءلون عن مدى وحجم الظلم الذي يجب ان يلحق بهم لكي يبدأ العالم بقطع علاقته مع إسرائيل ومحاسبتها على جرائمها ضد الإنسانية وإجبارها على ارجاع حقوق الفلسطينيين المسلوبة التي كفلتها لهم الشرعية الدولية.

هكذا هو الفلسطيني: اسمه مقترن دائما بكلمة ثورة وانتفاضه سببها حلم يحوم في عقله، مسافر مستمر ومناضل لم تردعه جرائم ومجازر ارتكبتها إسرائيل ضده في أكثر أماكنه وجعَا وحرقة ألا وهو وطنه، الفلسطيني تحاربه الهاسبراة والمجلات والإعلام والمستوى الرسمي وجماعات الضغط والكثير من الصور النمطية السلبية التي لا يرضيها وجود صوت فلسطيني يكشف زيفها.  ولهذا أنا أكتب.

في عام 1948، لم نتعرض فقط لنكبة وابادة جماعية وتهجير عرقي ممنهج وإنما تعرضنا أيضا لإبادة الذاكرة والصوت والثقافة والحب والتضامن والثورة والإنتماء. واليوم وبعد 70 سنة ما زلنا نستعصي على الكسر ونستعصي على الحياة لأن الحياة، كما قال مريد البرغوثي، “تستعصي على التبسيط”. ما زلنا ندق جدران الخزان ونحاصر حصارنا، ما زلنا نستعصي على قواميس اللغات والمعاني التي لا تجد في جوفها كلمة تضاهي ما نقاسيه. تهرب الكلمات خجلا من تقصيرها في منحنا ما نستحقه. نحن أكبر من أن نكون هدف وأكبر من كل محاولات التطبيع. نحن في كل مكان ولكننا في نفس المكان. نحن في المستقبل ولكننا ما زلنا نرقد تحت زمن قديم كانت فيه فلسطين حرة ومائها حر وترابها حر. وتظل كل بلدان العالم قواميس لا تحوينا ولا تحتوي ذاكرتنا ولا تفهم بالضبط ما تعنيه كلمة “لاجئ” أو “معبر” أو “صالة انتظار” أو “حصار”.

إسرائيل العنصرية منزعجة منا لأننا قررنا تمثيل أنفسنا بأنفسنا ولأنه أصبح لدينا رؤية واضحة وأسلوب مقاومة ناجع يتمثل في حركة مقاطعة عالمية لإسرائيل معروفة عالميا باسم BDS يقودها ائتلاف فلسطيني عليه شبه اجماع كامل بالإضافة لتعبئة جماهيرية شعبية تتمثل في مسيرة العودة الكبرى التي تطالب بحق العودة والتعويض كما هو مشروط في قرار الأمم المتحدة 194 والذي يمثل هدف أساسي من أهداف ال BDS  بالإضافة لمطالبتها بالمساواة للفلسطينيين الذين يعيشون في أراضي 1948  وتفكيك جدار الفصل العنصري وانهاء الاحتلال والاستعمار بكل أشكاله لأي أراضي عربية.

الشعب الفلسطيني لن يتوقف عن مقاطعة هذا الاحتلال العنصري ولن يتنازل عن حقوقه الأساسية حتى تتحقق مطالبه الثلاث التي وضعها الشعب الفلسطيني بكافة مكوناته عندما اطلق نداء المضطهد الفلسطيني عام    2004-2005والذي طالب من خلاله المجتمع الدولي والعالم بمقاطعة إسرائيل تماما وبالضبط كما قام العالم بمقاطعة نظام الأبارثهيد الأبيض البائد في القرن الماضي حتى استجاب البيض للشرعية الدولية.

إن السلاح المتبقي لنا هو قوة الشعب الذي تقوده رؤية واضحة مبنية على القانون الدولي وقانون حقوق الانسان والتي تأخذ بعين الاعتبار كل مكونات الشعب الفلسطيني وكل حقوقه الغير قابلة للتصرف. تلك اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم والتي تسجل نجاحاتها يوما بعد يوما وساعة بعد ساعة. تلك اللغة التي كان العالم يتجاهلها لأن دماء شهداء وجرحى فلسطين ليست بمثل أهمية ضحكة صاخبة من طيار إسرائيلي يقصف أطفال غزة في الصباح ويذهب لحفل في المساء ليتلقى جائزة الجندي المطيع في واحة “الديمقراطية” في الشرق الأوسط. تلك اللغة التي أجبرت إسرائيل على اللعب في ساحة لا طاقة لإسرائيل بها لأن حروف هذه اللغة ليست الصواريخ ولا القنابل الذرية وقنابل الفسفور ولكن حروفها هي الضمائر الحية والقوانين الدولية ودماء الشهداء وجهود أبناء الثورات أمثال غسان كنفاني وإدوارد سعيد وناجي العلي وانطونيو جرامشي وجيفارا.

خليل أبو يحيى

ناشط حقوق انسان وباحث في الدراسات الثقافية

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button
Close